دور الاقتصاد الأخضر فى الحفاظ على البيئة واستدامتها

بقلم: ا.د عاطف محمد كامل أحمد، استاذ وخبير الحياة البرية والمحميات الطبيعية والتنوع البيولوجى- قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان – كلية الطب البيطرى -جامعة قناة السويس- الأمين العام المساعد للحياة البرية- الإتحاد العربى لحماية الحياة البرية والبحرية بجامعة الدول العربية.

يهدف الإقتصاد الأخضر إلى الربط بين متطلبات تحقيق التنمية بشتى أنواعها بما في ذلك التنمية البشرية وبين حماية البيئة واستدامتها. كما أنه يهدف إلى تغيير المسار الذي تنتهجه الدول والشركات العملاقة العابرة للبحار فى التعامل مع الموارد الطبيعية فى ظل جائحة كورونا وقد أكد مؤتمر ريو+20 على أن الإقتصاد الأخضر هو من الأدوات المهمة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز القدرة على إدارة الموارد الطبيعية على نحو مستدام، وزيادة كفاءة استخدام الموارد، والتقليل من الهدر، والحد من الآثار السلبية للتنمية على البيئة.

تعريف الاقتصاد الأخضر

جاء اعتماد مفهوم الاقتصاد الأخضر ليشكل أداة مهمة لضبط النمو الاقتصادي وتوجيهه نحو الاستدامة، وذلك من خلال إيلاء البعد البيئي قدراً أكبر من الاهتمام في سياسات التنمية الاقتصادية. وقد تبنت مصر هذا النهج من خلال استراتيجية مصر2030 للتنمية المستدامة الخضراء، التي تستهدف تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد أخضر منخفض الكربون يعتمد بصورة أساسية على التقنيات الحديثة والمعرفة والابتكار..

ويرمز اللون الأخضر إلى الممارسات الرحيمة بالبيئة، أو على الأقل الصديقة لها، أو التى لا ضرر منها ولا ضرار. ووصف الأقتصاد بأنه أخضر يعنى أنه اقتصاد يراعي البيئة، ويحد من استنزاف مواردها. وهو مناقض للأقتصاد البنى (أو الأقتصاد الأسود، كما يطلق عليه أحيانا)، الذي يقوم على استخدام الوقود الأحفوري (مثل الفحم الحجري والبترول والغاز الطبيعي) وتخضير الأقتصاد مفهوم آخر جديد، يستخدم مع مصطلح الأقتصاد الأخضر. وبوجه عام، يعين مفهوم تخضير الأقتصاد: ذلك النشاط الذي يتفق مع البيئة ويصادقها، والذي ليست له أية مخلفات أو آثار ضارة بالبيئة، أو على الأقل لا يضيف أية أعباء جديدة على البيئة أو يزيد درجة تلوثها وتدهورها. ولما كان الأقتصاد والبيئة قرينان، يؤثر كل منهما فى الآخر، كان من الأهمية بمكان أن نفهم العلاقة بينهما. ويتجلى الجانب الأقتصادي فى البيئة فيما بها من موارد طبيعية (كالماء والتربة والهواء والكائنات الحية)، وما تحتوي ّ عليه داخل جوف الأرض من مياه جوفية ومعادن. فهذه الموارد كلها تعد – كما يقال فى علم الأقتصاد – القاعدة الأساسية لتحقيق التنمية الأقتصادية.

وفى المؤلفات البيئية الحديثة، غالبا ما توصف الصلة بين الأقتصاد والبيئة باستخدام مصطلح (خدمات النظم الإيكولوجية). وهذه الخدمات تسهم فى تحقيق رفاهية الإنسان، وهي تتمثل فيما يلي:

1. الخدمات التموينية، مثل الأغذية البرية، والمحاصيل، والمياه العذبة، والأدوية المشتقة من النباتات الطبية.

2. الخدمات الثقافية: مثل الترويح، والقيم الروحية والجمالية، والتعليم.

3. الخدمات التنظيمية، مثل ترشيح الملوثات بواسطة الأراضي الرطبة، وتنظيم الأحوال المناخية عبر تخزين الكربون قى الطبيعة، وتدوير المياه، والتلقيح، والحماية من الكوارث الطبيعية.

4. الخدمات المساندة: مثل تكوين التربة، والبناء (التمثيل الضوئي، وتدوير العناصر الغذائية).

ومن الجدير بالذكر أنه لايوجد حاليا تعريف متفق عليه دوليا لمصطلح الأقتصاد الأخضر. ولهذا، فقد استحدث برنامج الأمم ً المتحدة للبيئة (UNEP) تعريفاً عمليا، يفهم منه أن الأقتصاد الأخضر هو: “الأقتصاد الذي ينتج عنه تحسن فى رفاهية الإنسان، وتحقيق لمبدأ المساواة الأجتماعية، فى حين يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية، ويخفض من ّ معلات ندرة الموارد الإيكولوجية، مع العناية قى الوقت نفسه بالحد على نحو ملحوظ – من المخاطر البيئية وحالات الشح الإيكولوجي.

ان الأقتصاد الأخضر هو “نموذج جديد من نماذج التنمية الأقتصادية السريعة النمو، الذي يقوم على معرفة الأقتصاديات البيئية التى تهدف إلى معالجة العلاقة المتبادلة بين الإقتصاديات الإنسانية والنظم البيئية الطبيعية، والآثر العكسي للأنشطة الإنسانية على التغبر المناخي، والأحتباس الحراري”. وهو تعريف روعيت فيه الجوانب التاريخية والأقتصادية والبيئية والبشرية.

ويمكن القول بأن الإقتصاد الأخضر هو “اقتصاد يتم فيه توجيه النمو فى الدخل (على المستويين الوطنى والعالمى) وفى قوة العمل من خلال الأستثمارات التى يقوم بها كل من القطاعين العام والخاص، بحيث يؤدي ذلك إلى تعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية والبشرية، وتخفيض الإنبعاثات والملوثات الضارة ّ بالبيئة، والحد من النفايات، والحيلولة دون حدوث خسائر فى التنوع الإحيائي (البيولوجي)، أو تدهور النظم البيئية (الإيكولوجية)، أو تغييرات بشرية فى الأنماط المناخية. وهكذا، يفهم مما سبق، أن الأقتصاد الأخضر ليس غاية فى حد ذاته، بقدر ما هو وسيلة للحفاظ على سلامة البيئة والبشرمعا. وهو أداة للتنمية التى تعمر، لا تلك التى تدمر. وهو اقتصاد يقدم جزءا حيويا من الإجابة عن السؤال المعضل الذي أعيا فلاسفة البيئة عدة عقود، وهو: كيف نحافظ على البصمة البيئية للبشرية فى الحدود الآمنة لكوكبنا؟.

وبالرغم من تسارع وتيرة التنمية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وعلى الرغم مما وفرته هذه التنمية من مزايا اقتصادية ومستويات عالية من الرفاهية، إلاّ أنها أفرزت العديد من التأثيرات السلبية التي انعكست في بروز وتفاقم العديد من المشكلات البيئية كتغير المناخ، والتلوث، وخسارة التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد.

باختصار، فإن معاودة النمو على نحو أكثر مراعاة للبيئة وقدرة على الصمود عامل مهم في إخراج البلدان من الركود وإعدادها للوضع الطبيعي الجديد، على عكس عالم الأمس المُقيد في مسارات النمو التقليدية. إن جائحة كورونا، وعلى الرغم من المعاناة الشديدة الناجمة عنها، تتيح لنا فرصة سانحة لإعادة بناء اقتصاد أفضل، اقتصاد المستقبل الذى يرتكز على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، على عكس إعادة بناء اقتصاد الماضي. وسيوفر التحفيز المالي الأخضر دعما فعالا للاقتصاد عبر زيادة الطلب على العمالة في الوقت المناسب كما يبني أيضا الأسس لأداء نمو مستدام قوي في المستقبل لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتعافى الأقتصاد العالمى بعد جائحة كورونا .